حسن ابراهيم حسن
445
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وكان بالمدينة بعض مرازبة الفرس . فلما رأى حيرة عمر قال له : يا أمير المؤمنين ! إن للأكاسرة شيئا يسمونه ديوانا جميع دخلهم وخرجهم مضبوط فيه لا يشذ منه شئ . وأهل العطاء مرتبون فيه مراتب لا يتطرق عليها خلل ، فتنبه عمر وقال : صفه لي : فوصفه المرزبان ، فدون الدواوين وفرض العطاء « 1 » . وقد قيل إن عمر استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال علي بن أبي طالب : « تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تمسك منه شيئا » ، وقال عثمان ابن عفان : « أرى مالا كثيرا يسع الناس ، وإن لم يحصوا ، حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر » ، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة : « وقد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديوانا وجندوا جندا : فدون ديوانا وجند جندا » ، فأخذ بقوله ، فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم ، وكانوا من نساب قريش ، فقال لهم : « اكتبوا الناس على منازلهم » . فبدءوا ببنى هاشم ، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ، ثم عمر وقومه على الخلافة . فلما نظر إليه عمر قال : وددت واللّه أنه هكذا ، ولكن ابدءوا بقرابة للنبي صلى اللّه عليه وسلم الأقرب فالأقرب ، حتى تضعوا عمر حيث وضعه اللّه » « 2 » . عامل عمر المسلمين وأهل الذمة على سواء معاملة قوامها العدالة المطلقة . يدل على صحة هذا القول ما حكى عن عمر حين عاب عليه قومه تأخير تدوين أنصبتهم في بيت المال وقالوا له : « أنت خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخليفة أبى بكر ، خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلو جعلت نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم الذين كتبوا ، قال بخ بخ بنى عدى ! أردتم الأكل على ظهري ، وإني أهب حسناتي لكم . لا واللّه حتى تأتيكم الدعوة وأن يطبق عليكم الدفتر ( يعنى ولو أن تكتبوا آخر الناس ) . إن لي صاحبين ( يعنى النبي وأبا بكر ) سلكا طريقا ، فإن أنا خالفتهما خولف بي . واللّه ما أدركنا الفضل في الدنيا ، وما نرجو الثواب على عملنا إلا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . فهو شرفنا ، وقومه أشرف ، ثم الأقرب فالأقرب . واللّه لئن جاءت الأعاجم بعمل وجئنا
--> ( 1 ) الفخري ص 79 - 80 . ( 2 ) البلاذري . فتوح البلدان ص 353 - 354 .